ابن كثير

303

البداية والنهاية

تهون على الدنيا الملامة إنه * حريص على استصلاحها من يلومها قال المأمون : وقد ألجأني الزحام يوما وأنا في الموكب حتى خالطت السوقة فرأيت رجلا في دكان عليه أثواب خلقة ، فنظر إلي نظر من يرحمني أو من يتعجب من أمري فقال : أرى كل مغرور تمنيه نفسه * إذا ما مضى عام سلامة قابل وقال يحيى بن أكثم : سمعت المأمون يوم عيد خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال : عباد الله ! عظم أمر الدارين وارتفع جزاء العالمين ، وطالت مدة الفريقين ، فوالله إنه للجد لا اللعب ، وإنه للحق لا الكذب ، وما هو إلا الموت والبعث والحساب والفصل والميزان والصراط ثم العقاب أو الثواب ، فمن نجا يومئذ فقد فاز . ومن هوى يومئذ فقد خاب ، الخير كله في الجنة ، والشر كله في النار . وروى ابن عساكر من طريق النضر بن شميل قال : دخلت على المأمون فقال : كيف أصبحت يا نضر ؟ فقلت : بخير يا أمير المؤمنين . فقال : ما الارجاء ؟ فقلت دين يوافق الملوك يصيبون به من دنياهم وينقصون به من دينهم . قال : صدقت . ثم قال : يا نضر أتدري ما قلت في صبيحة هذا اليوم ؟ قلت : إني لمن علم الغيب لبعيد . فقال قلت أبياتا وهي : أصبح ديني الذي أدين به * ولست منه الغداة معتذرا حب علي بعد النبي ولا * أشتم صديقا ولا عمرا ثم ابن عفان في الجنان مع ال‍ * أبرار ذاك القتيل مصطبرا ألا ولا أشتم الزبير ولا * طلحة إن قال قائل غدرا وعائش الام لست أشتمها * من يفتريها فنحن منه برا وهذا المذهب ثاني مراتب الشيعة وفيه تفضيل علي على الصحابة . وقد قال جماعة من السلف والدار قطني : من فضل عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار - يعني في اجتهادهم ثلاثة أيام ثم اتفقوا على عثمان وتقديمه على علي بعد مقتل عمر - وبعد ذلك ست عشرة مرتبة في التشيع ، على ما ذكره صاحب كتاب البلاغ الأكبر ، والناموس الأعظم ، وهو كتاب ينتهي به إلى أكفر الكفر . وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال : لا أوتى بأحد فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري . وتواتر عنه أنه قال : خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر . فقد خالف المأمون الصحابة كلهم حتى علي بن أبي طالب . وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التي أزرى فيها على المهاجرين والأنصار ، البدعة الأخرى والطامة الكبرى وهي القول بخلق القرآن مع ما فيه من الانهماك على تعاطي المسكر وغير ذلك من الافعال التي تعدد فيها المنكر . ولكن كان فيه شهامة عظيمة وقوة جسيمة في القتال وحصار الأعداء ومصابرة الروم وحصرهم ، وقتل رجالهم وسبي نسائهم ، وكان يقول : كان لعمر بن عبد العزيز وعبد الملك حجاب وأنا بنفسي ، وكان يتحرى العدل ويتولى بنفسه الحكم بين